رسالة الحب والسلام.. هي الدعوة المشتركة للمسيح وأحمد صلى الله عليه واله وسلم
د. خضير الخزاعي
الرؤية القرآنية للسيد المسيح ولأمه العذراء مريم (ع) وللمسيحيين عموماً، اتسمت بايجابية متميزة، فعيسى (ع) يصفه القرآن الكريم بروح الله تعالى وكلمة منه، وأمه صديقة طاهرة (ع)، والمسيحيون هم الاقرب مودة للذين آمنوا ذلك لان منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون. الموقف القرآني الايجابي هذا هو موقف مبدئي تجاوز كل الحسابات، وترفع عن ردود الافعال، ففي الوقت الذي يعترف فيه المسيحيون بنبوة رسولنا العظيم (ص) لم يكن هذا الموقف مانعاً من الالق الاسلامي في الاعتراف بنبوة عيسى (ع) وتقديسه واحترام رسالته واعتبارها حلقة من سلسلة الرسالات الالهية الكبرى والتي تشكل مع رسالة موسى (ع) ورسالة محمد (ص) ثلاثية الخط الابراهيمي الموحّد الذي تلتقي حلقات عظمتة عند مبادئ التوحيد والنبوة والمعاد، وتترشح عن ذلك كل قيم الخير والمحبة والسلام التي ارادتها السماء لأهل الأرض في عملية تدرج هادف ينقل البشرية من وعي الى وعي آخر أكثر تميزاً لتكتمل المسيرة عند انبثاق خيوط الفجر الاسلامي الصادق،
والذي أعلن فيه نبينا العظيم (ص) «انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق»، ومكارم الاخلاق المشار اليها هي روائع الكلم الطيب الذي انزلته السماء تعاليم على الانبياء والمرسلين عبر تاريخ نبوي وانساني خالد، تربع على قمة المجد فيه كمال الانبياء وعظمة المرسلين. ومن هنا تأتي النظرة الايجابية للقرآن الكريم ازاء المسيح (ع) والتي تشكل المنطلق لعلاقة وديّة متميزة تاريخياً مع عموم المسيحيين الذي تعايشوا مع المسلمين عبر امتدادات الزمان فصاروا شركاء في صياغة ثقافة مشتركة افرزت تعايشاً سلميا رائعاً ونتاجاً معرفياً متناغماً بل وتبني قضايا مشتركة، وحسب المراقب ان يتابع ما كتبه مفكرون وما ابدعه ادباء وفنانون مسيحيون أثرت المكتبة العربية والاسلامية بروائع خالدات تستحق الشكر والثناء. وفي تماثل دقيق لا يكاد أحد يميز بين ما ابدعه المسلمون عما انتجه المسيحيون في هذه المنطقة، حيث ولد التلاقح الحضاري والتوأمة الثقافية بين المكونات الدينية وانصهرت الفوارق وتلاشت الخلافات وسط هذا التجانس الانساني المفعم بالمحبة والاحترام المتبادل وتحت خيمة الوفاق التي استظل بأفيائها الجميع، وفجأة تطل أفعى التطرف برأسها من جحور التخلف لتضرب هذا الوئام وتلدغه في مقتله، حينما توجه الفهم السقيم للشريعة الاسلامية ليتحول أخوة الدين الى ضحايا للارهاب الطائفي، وحلفاء الامس واليوم الى اهداف سهلة في الكنائس وقت الصلاة. وبما يطرح جملة من التساؤلات أهمها: أي تفسير خاطئ للدين قد عشعش في العقول الارهابية المتخلفة والمفخخة بالاحقاد والكراهية والجهل المركب؟ وأية اهداف شيطانية تقف وراء هكذا اعمال أجرامية يلبسونها ثوب الدين والدين منها براء، وبماذا يستدل هؤلاء الارهابيون لتبرير جرائمهم المروعة؟ وأين هم عن تاريخ طويل تعايش فيه المسلمون مع المسيحيين في بلاد الاسلام الواسعة بمحبة واحترام؟ ثم أين هم عن تجربة الاندلس التي اعطت للاسلام معانيه الحضارية الحقة حينما تعامل المسلمون مع اهل الارض هناك باريحية فسلبوا البابهم حباً وعشقاً نتيجة للمصداقية الرائعة التي جسدها مسلموا الاندلس قيماً وخلقاً وتسامحاً والتزاماً، الى الحد الذي اطلق فيه الغربيون عليهم عبارة (أرحم الفاتحين). أن ما يجري اليوم من موجة عنف مؤدلج ضد المسلمين تارة وضد المسيحيين اخرى، لا علاقة له بالاسلام لا من قريب ولا من بعيد، وان تداعياته الخطيرة تؤكد يوما بعد يوم ان الاسلام كنظرية وعقيدة ورسالة هو المستهدف، وان دخان الكراهية الذي غطى المشهد كله وضبب عليه هو أكبر الخسائر التي مني بها العالم الاسلامي، والذي صار قريناً للعنف والارهاب، وهو ما خلق منهجاً سلبياً وخيم العواقب بحق الاسلام الذي بدأ العالم يتعطش لمعرفة معانيه الخيرة لولا هذه الهجمة التي ضيعت عليه الفرص واسدلت حجاباً على العيون والعقول التي تعقدت من الاسلام ولم يعد يستهويها أو يستقطب اهتمامها كحضارة، بل صار كابوس رعب لا يدع الكثيرين من طلاب الحقيقة معنيين بالتحقيق فيه والتحقق من روعته، لان الصورة المرعبة التي رسمها الارهاب في اذهان العالم كله سوف تحول دون رغبة احد من هؤلاء بأن يقترب من الاسلام والمسلمين. وهذا ما يلح على المراقب كي يستنتج أن هناك مؤامرة كبرى خططت لها دوائر مشبوهة ونفذها جهلة مأجورون اضروا بالاسلام كثيراً، وقدموا لخصومه مادة ممتازة للتشهير به، لا يمكن لكل الحروب ولا لاسلحة الدمار الشامل ان تحقق لهم ما تحقق من بعد عن الاسلام وتعتيم عليه ونفور منه. الامر الذي يحتم على من يعنيهم أمر هذا الدين أن يضاعفوا من الجهود لتصحيح الصورة وكشف غبار الكيد، لينجلي الموقف عن تقارب وتواصل بين المسلمين والمسيحيين لا خيار لنا عنه
( المصدر : جريدة المنتدى الثقافي العراقي )
مواضيع ذات صلة
من أين نبدأ ؟ سمات المثل الأعلى وصفات القدوة الحسنة ضرورة انتهاج الوسطية والاعتدال لا حياة لمن لا يؤمن بالحياة خسائرنا في الاختلاف
|